خانة الذكريات

تهطل  العبرات من جفني الرجل المسن، الذي شاب شعره، وكبر سنه، وأضحى لا يعلم من بعد علم شيئًا، متكئًا علي الأريكة الذهبية، تحت أضواء المصابيح النووية، التي اختُرعت حديثًا بأوروبا، وجلبتها أم الدنيا مستوردة –كالعادة-.
 يصوب الشيخ نظراته الدقيقة نحو التلفاز، الذي يعرض مقطوعة شعرية قديمة للراحل العملاق/ فاروق جويدة، وهو يقول ..
سيأتي إليكِ زمانٌ جديد
ويصبح وجهي خيالًا عَبَرْ
ونقرأ في الليل شعرًا جميلًا
يذوب حنينًا كضوء القمرْ
وفي لحظة نستعيد الزمان
ونذكر عمرًا مضى واندثرْ
وفي وسط موسيقى كلماته الساحرة، يذوب الشيخ بخياله في ماضي ذلك الشعر العظيم، أو الذي كان عظيمًا في يومٍ من الأيام.
يرى نفسه بعينٍ مبينة في الماضي السحيق يبعث برسالات الحب إلى فاتنته، ويكتب فيها زبد الشعر؛ ليبوح بمكنون صدره لها، فيكتب كما قال نزار ..
الحب ليس رواية شرقيةً
بختامها يتزوج الأبطالُ
لكنه الإبحار دون سفينةٍ
وشعورنا أن الوصول محالُ
هو هذه الكف التي تغتالُنا
ونقبل الكف التي تغتالُ
يذكر كم تلقى من معاناة لكي يحصل على مقعد بالصفوف الأمامية للمسن المتقاعد الذي اغتالته رصاصات الإبتذال/هشام الجخ ..
تتوجه الأضواء وتتركز على بؤرة المسرح ليتقدم الهويس، فتبتسم شفتاه، وتضج  القاعة بالتصفيق .. بينما يفتتح الشاعر الأمسية ..
أسبح باسمك الله
وليس سواك أخشاه
وأعلم أن لي قدرًا .. سألقاه سألقاه
وبئست لُقيا.
يقطع على الشيخ ذكرياته، صوت حفيده صادرًا عن اللاسلكي بجنبات الغرفة، " جدووو.. اسمع الـPoem بتاعتي الجديدة دي"..
حبيبتي يا روحي يا بنت قلبي
أنتي إزاي كده يا بنت دمـــي
هاتي خدودك ألعب لك فيهم
وأنتي العبي في موبايلك حبة
مهما يا روحي هتغطيهم
برضو هرخم ، أصل رخامتي بتابئى محبة
فاكرة أول like ..
وينقطع الصوت بعد
أن تهشم اللاسلكي بعد أن قذفه الجد بعصاه الحديدية، فيقبل الحفيد مهرولًا وعلى وجهه علامات الغضب، ويفتخر لجده بأن هذا هو ديوانه الثاني الذي سيصدر في معرض الكتاب هذا العام، فينهره الشيخ، فيغرب الحفيد عن وجهه مسرعًا.
فيعود الشيخ ليستمع لبعض الأشعار القديمة بالتلفاز، لينقي سمعه من تلك القاذورات التي كانت منذ قليل، بعد أن أُجهض خياله، وجفت عبراته، فيبتسم عندما يسمع شعرًا لحافظ إبراهيم يقول ..
فإما حياةٌ تبعث الميت في البِلى
وتُنبت في تلك الرُمُوسِ رُفاتي
وإما مماتٌ لا قيامةَ بعدهُ
مماتٌ لعَمْري لَمْ يُقَسْ بمماتِ
ويتردد صدى آخر حروف، ويظهر من يبدو أنه مقدم البرنامج، ليقول..
كانت آخر أبياتٍ من آخر حلقة من برنامج ..

" خانةُ الذكريات" .. إلى لقاء آخر، ولو أنني أرتاب.

تعليقات